فصل: تفسير الآيات رقم (101- 105)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏75- 77‏]‏

‏{‏وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ‏(‏75‏)‏ وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ‏(‏76‏)‏ حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ‏(‏77‏)‏‏}‏

يقول الحق جل جلاله‏:‏ ‏{‏ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضُرّ‏}‏، كقحط وجدب، ‏{‏لَلَجُّوا‏}‏‏:‏ لتمادَوا ‏{‏في طغيانهم‏}‏‏:‏ إفراطهم في الكفر والعتو والإستكبار وعداوة الرسول- عليه الصلاة والسلام- والمؤمنين، ‏{‏يعمهون‏}‏‏:‏ يترددون عامهين عن الهدى‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ لما أَسْلَمَ ثُمَامَةُ بن أَثالٍ الحنفي، ورجع إلى اليَمَامَةِ، مَنَعَ المِيرَةَ عَنْ أَهْلِ مَكَّة، وَأَخَذَهُمُ الله تعالى بالسنين حَتَّى أَكلَّوا العِلْهِزَ، جَاءَ أبو سُفْيانَ إلى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فقال له‏:‏ أَنْشدُك الله والرَّحِمَ، ألسْتَ تزعمُ أَنّك بُعثْتَ رَحْمَة للعالَمين‏؟‏ قال‏:‏ بَلَى، قال‏:‏ قتلتَ الآباءَ بالسَّيف، والأبنَاءَ بالجوعِ، فنزلت‏.‏ قال ابن جُزي‏:‏ وفيه نظر؛ فإن الآية مكية باتفاق، وإنما دعا النبي صلى الله عليه وسلم على قريش بعد الهجرة، حسبما ورد في الحديث‏.‏ ه‏.‏

قلت‏:‏ والتحقيق‏:‏ أن القحط نزل بهم مرتين، أحدهما قبل الهجرة، حين دعا عليهم- صلى الله عليه وسلم- بقوله‏:‏ «اللهم أَعنِّي عليهم بسبع كسبع يوسف»، فأخذتهم سَنَةٌ حصدت كل شيء، حتى أكلوا الميتة والعظام، وكانوا يرون كهيئة الدخان من الجوع، فجاء أبو سفيان فقال‏:‏ يا محمد، جئت تأمر بصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا، فادعُ الله يغيثنا، فدعا لهم‏.‏‏.‏ الحديث‏.‏ وفيه نزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏فارتقب يَوْمَ تَأْتِى السمآء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 10‏]‏ الآية، وقوله هنا‏:‏ ‏{‏ولو رحمناهم وكشفنا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ ومرة أخرى بالمدينة؛ حين استغاثوا به عليه السلام وهو يخطب، ولعله هو الذي ذكره ابن عباس في إسلام ثمامة، ولعل قوله‏:‏ «فنزلت الآية» سهو؛ لأنها نزلت قبل الهجرة، إلاّ أن تكون الآية مدنية في السورة المكية، وقول ابن جزي‏:‏ «دعا عليهم بعد الهجرة»، التحقيق، أنه دعا عليهم قبلُ وبعدُ‏.‏ والله أعلم‏.‏

والمعنى‏:‏ لو رحمناهم، وكشفنا ما بهم من القحط والهزال؛ برحمتنا إياهم، ووجدوا الخصب، لارتدوا إلى ما كانوا عليه من الكفر والاستكبار، ولذهب عنهم هذا الخلق والتعلق بك، وهذا كقوله تعالى في الدخان‏:‏ ‏{‏إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 15‏]‏، قيل‏:‏ المراد بالضر‏:‏ العذاب الأخروي، فيكون كقوله‏:‏ ‏{‏وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 28‏]‏‏.‏

‏{‏ولقد أخذناهم بالعذاب‏}‏، وهو ما أصابهم يوم بدر من القتل والأسر، وهو قوله- تعالى- في الدخان ‏{‏يَوْمَ نَبْطِشُ البطشة الكبرى‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 16‏]‏‏.‏ ‏{‏فما استكانُوا لربهم‏}‏ بذلك، أي‏:‏ لم يخضعوا ولم يتذللوا‏.‏ و«استكانوا»‏:‏ افتعل من السكون، والألف زائدة، أو استفعل من الكون، أي‏:‏ انتقل من كون إلى كون، كاستحال، إذا انتقل من حالٍ إلى حال؛ لأن الخاضع ينتقل من كون إلى كون ‏{‏وما يتضرعون‏}‏ أي‏:‏ وليس من حالهم التضرع إليه تعالى، وعبَّر بالمضارع، ليدل على الاستمرار، أي‏:‏ ليس شأنهم التضرع في هذه الحالة وغيرها، أو‏:‏ فما استكانوا فيما مضى، وما يتضرعون فيما ينزل بهم في المستقبل، والمعنى‏:‏ تالله لقد أخذناهم بالعذاب، وقتلناهم بالسيوف، وما جرى عليهم يوم بدر من قتل صناديدهم، فما وُجدت، بعد ذلك، منهم استكانة ولا تضرع‏.‏

‏{‏حتى إذا فتحنا عليهم باباً ذا عذابٍ شديد‏}‏، وهو عذاب الآخرة، ‏{‏إذا هم فيه مبلسون‏}‏‏:‏ متحيرون آيسون من كل خير، وهذا هو الصواب من حمل العذاب على عذاب الآخرة، بدليل وصفه بالشدة والإياس‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ أهل الغفلة والبُعد لا يرجعون إلى الله في السراء ولا في الضراء؛ لانهماكهم في الغفلة والقساوة، وأهل اليقظة يرجعون إلى الله في السراء والضراء، في السراء بالحمد والشكر، وفي الضراء بالصبر والرضا والتسليم، مع التضرع والابتهال؛ عبوديةً، والمقتصدون يرجعون إليه- تعالى- في الضراء، ويغفلون عن الشكر في السراء، والأول ظالم لنفسه، والثاني سابق، والثالث مقتصد‏.‏ وبالله التوفيق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏78- 83‏]‏

‏{‏وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ‏(‏78‏)‏ وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ‏(‏79‏)‏ وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ‏(‏80‏)‏ بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ ‏(‏81‏)‏ قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ‏(‏82‏)‏ لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ‏(‏83‏)‏‏}‏

يقول الحق جل جلاله‏:‏ ‏{‏وهو الذي أنشأ‏}‏‏:‏ خلق ‏{‏لكم السمع والأبصار‏}‏؛ لتشاهدوا بها عجائب مصنوعاته ودلائل قدرته، أو لتتوصلوا إلى شهود آياته الكونية والتنزيلية، ‏{‏والأفئدة‏}‏؛ لتتفكروا بها فيما تشاهدونه منها وتعتبروا، وخصها بالذكر؛ لأنه يتعلق بها من بالمنافع ما لا يتعلق بغيرها، وقدَّم السمع؛ لأنَّ أكثر العلوم إنما تُنال به، ‏{‏قليلاً ما تشكرون‏}‏ أي‏:‏ شكراً قليلاً غير معتد به تشكرون تلك النعم الجليلة؛ لأن العمدة في الشكر‏:‏ صرف تلك القوى- التي هي في أنفسها نِعمَ باهرة- إلى ما خلقت له، وأنتم تنتحلون بها ضلالاً عظيماً‏.‏ ‏{‏وهو الذي ذرأكم في الأرض‏}‏ أي‏:‏ خلقكم وبثكم فيها بالتناسل، ‏{‏وإليه تُحشرون‏}‏ أي‏:‏ تجمعون يوم القيامة بعد تفرقكم، فيجازيكم على إحسانكم وإساءتكم‏.‏

‏{‏وهو الذي يُحيي ويميت‏}‏، من غير أن يشاركه في ذلك أحد ولا شيء من الأشياء، ‏{‏وله اختلافُ الليل والنهار‏}‏ أي‏:‏ المؤثر في اختلافهما، ‏{‏أفلا تعقلون‏}‏ فتعرفون بالنظر والتأمل أن الكل منا، وأن قدرتنا تعم جميع الممكنات، التي من جملتها البعث والحساب، وقُرئ «يعقلون»؛ بالغيب، على الالتفات؛ لحكاية سوء حال المخاطبين، ‏{‏بل قالوا‏}‏ عطف على مضمر يقتضيه المقام، أي‏:‏ فلم يعقلوا ‏{‏بل قالوا مثلَ ما قال الأولون‏}‏ أي‏:‏ آباؤهم ومن دان دينهم، ‏{‏قالوا أئذا مِتْنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمبعوثون‏}‏، هو تفسير لما أبهم قبله، أي‏:‏ قالوا‏:‏ أُنبعث بعد هذه الحالة، ‏{‏لقد وُعِدْنَا نحن وآباؤنا هذا‏}‏ البعث ‏{‏من قبل‏}‏‏:‏ متعلق بالفعل من حيث إسناده إلى آبائهم لا إليهم، أي‏:‏ وُعِدَ هذا آباؤنا من قبلُ، أو حال من آبائنا، أي‏:‏ كائنين من قبل، ‏{‏إنْ هذا‏}‏ أي‏:‏ ما هذا ‏{‏إلا أساطير الأولين‏}‏ أي‏:‏ أكاذيبهم التي سطروها، وهي جمع أسطورة كأُحدوثة وأُعجوبة، أو جمع أسطار، جمع سطر، فيكون جمع الجمع‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ ذكر في الآية خمس نِعَم، يجب على العبد شكر كل واحدة منها، فشُكْر نعمة السمع‏:‏ أن تسمع به ما ينفع، وتكفه عما لا ينفع، وإذا سمعت خيراً أفشيته، وإذا سمعت شراً دفنته‏.‏ وشكر نعمة البصر‏:‏ أن تنظر به في ملكوت السموات والأرض وما بينهما، فتعرف عظمة الصانع، أو تشاهده وتوحده فيها‏.‏ وشكر نعمة القلوب‏:‏ أن تعرف بها علام الغيوب، وتُفرده بالوجود في كل مرغوب ومرهوب‏.‏ وشكر نعمة الإيجاد‏:‏ أن تكون له عبداً في كل حال‏.‏ وشكر نعمة الإعادة‏:‏ أن تتأهب للقائه في كل لحظة وساعة‏.‏ ‏(‏وهو الذي يحيي ويميت‏)‏؛ يحيي قلوباً بالمعرفة بعد الجهل، ويميت قوباً بالغفلة والجهل بعد العلم واليقظة، وذلك بالسلب بعد العطاء والعياذ بالله‏.‏ وله اختلاف ليل القبض ونهار البسط على العبد، ثم يُخرجه عنهما؛ ليكون مع الله لا مع شيء سواه‏.‏ وبالله التوفيق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏84- 90‏]‏

‏{‏قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ‏(‏84‏)‏ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ‏(‏85‏)‏ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ‏(‏86‏)‏ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ‏(‏87‏)‏ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ‏(‏88‏)‏ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ‏(‏89‏)‏ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ‏(‏90‏)‏‏}‏

يقول الحق جل جلاله‏:‏ ‏{‏قل‏}‏ يا محمد لمن أنكر البعث‏:‏ ‏{‏لِمن الأرضُ ومن فيها‏}‏ من المخلوقات؛ عاقلاً أو غيره، أي‏:‏ من أوجدها، ودبر أمرها، ‏{‏إن كنتم تعلمون‏}‏ شيئاً‏؟‏ والجواب محذوف، أي‏:‏ فأخبروني؛ فإن ذلك كاف في الجواب، ‏{‏سيقولون لله‏}‏؛ لأنهم مُقرُّون بأنه الخالق، فإن أقروا بذلك ‏{‏فقل أفلا تذكرون‏}‏ فتعلمون أنَّ من قدر على خلق السموات والأرض وما فيهن، كيف لا يقدر على إعادة الخلق بعد عدومها‏؟‏ فإن الإعادة أهون من البدء‏.‏ ‏{‏قل من ربُّ السموات السبع وربُّ العرش العظيم‏}‏، أعيد الرب؛ تنويهاً لشأن العرش، ورفعاً لمحله؛ لئلا يكون تبعاً للسموات والأرض، وجوداً وذكراً، ولقد روعي في الأمر بالسؤال الترقي من الأدنى إلى الأعلى، فإن سألتهم ‏(‏سيقولون لله‏)‏ أي‏:‏ هي لله، كقولك‏:‏ مَن رب هذا الدار‏؟‏ فتقول‏:‏ هي لفلان، وقال الشاعر‏:‏

إذَا قِيل‏:‏ مَن رَبُّ الْمَزالِفِ والْقِرَى *** ورَبُّ الْجِياد الجُرْدِ‏؟‏ قيل‏:‏ لخَالِدِ

وقال الأخَفش‏:‏ اللام زائدة، أي‏:‏ هو الله، وبعدمه قرأ أهل البصرة، فيه وفيما بعده، واتفقوا على إثباته في الأول، ليطابق السؤال، فإن أجابوا بذلك ‏{‏فقل أفلا تتقون‏}‏ أي‏:‏ أتعلمون ذلك، ولا تتقون عذابه في كفركم وجحودكم قدرته على البعث‏؟‏

‏{‏قل من بيده ملكوت كل شيء‏}‏ أي‏:‏ التصرف التام في كل شيء بقهره وسلطانه، فالملكوت، في أصل اللغة، مبالغة في الملك، زيدت الواو والتاء؛ للمبالغة، كالجبروت؛ مبالغةً في الجبر، وفي عرف الصوفية، الملكوت‏:‏ ما بطن من أسرار المعاني القائمة بالأواني، أو نقول‏:‏ ما غاب في عالم الشهادة من أسرار الذات، فحس الأواني مُلك، ومعانيها ملكوت، والجبروت‏:‏ ما خرج عن دائرة الأكوان من بحر الأسرار، الفائض بأنوار الملكوت، وهذه أسماء لمسمى واحد، وهو بحر الوحدة‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وهو يُجير‏}‏ أي‏:‏ يغيث، يقال‏:‏ أجرت فلاناً على فلان‏:‏ إذا أغثته منه، يعني‏:‏ وهو يغيث من شاء ممن شاء، ‏{‏ولا يُجار عليه‏}‏‏:‏ ولا يغيث أحد عليه، أي‏:‏ لا يمنع أحدٌ أحداً بالنصر عليه‏.‏ ‏{‏إن كنتم تعلمون‏}‏ شيئاً ما، أو تعلمون ذلك، فأجيبوني‏؟‏ ‏{‏سيقولون لله‏}‏ أي‏:‏ لله ملكوت كل شيء، وهو يُجير ولا يُجار عليه، ‏{‏قلْ فأنى تُسحرون‏}‏ أي‏:‏ فمن أين تُخدعون وتُصرفون عن الرشد، وعن توحيد الله وطاعته‏؟‏ فإنَّ من لا يكون مسحوراً مختل العقل لا يكون كذلك، قال تعالى‏:‏ ‏{‏بل أتيناهم بالحق‏}‏ الذي لا محيد عنه؛ من التوحيد والوعد بالبعث، ‏{‏وإنهم لكاذبون‏}‏ فيما قالوا من الشرك وإنكار البعث‏.‏ وبالله التوفيق‏.‏

الإشارة‏:‏ قل‏:‏ لمن أرض النفوس، وما فيها من الأهوية والحظوظ والعلائق‏؟‏ سيقولون‏:‏ هي لله يتصرف فيها كيف يشاء، فتارة يُملِّكها لعبده، فتكون تحت قهره وسلطانه، فيكون حراً من رق الأشياء، وتارة يُملّكه لها بعدله، فيكون تحت قهرها وسلطانها، تتصرف فيه كيف تشاء، ويكون مملوكاً لها، ينخرط في سلك من اتخذ إلهه هواه، قل‏:‏ من رب سماوات الأرواح وعرش الأسرار والأنوار، وهو القلب الذي هو بيت الرب، قل‏:‏ سيقولون‏:‏ لله، يظهرها متى شاء، ويوصلها إلى أصلها كيف شاء، قل‏:‏ من بيده ملكوت كل شيء، فيتصرف في النفوس والأرواح؛ بالتقريب والتبعيد، وهو يُجير مِن الحظوظ والأهوية مَن يشاء، ويسلطها على مَن يشاء، ولا يُجار عليه، لا يمينع من قهره أحد، فأنَّى تسحرون‏.‏

قال القشيري‏:‏ أولاً قال‏:‏ ‏(‏أفلا تذكرون‏)‏، ثم قال بعده‏:‏ ‏(‏أفلا تتقون‏)‏؛ قدَّمَ التذكرَ على التقوى؛ لأن بتذكيرهم يَصلُون إلى المعرفة، وبعد أن عرفوه، علموا أنه يجب عليهم اتقاءُ مخالفته، ثم بعد ذلك قال‏:‏ ‏(‏فأنى تُسْحَرون‏)‏ ‏؟‏ أي‏:‏ بعد وضوح الحجة، أيُّ شَكٍّ بَقِيَ حتى تَنْسِبُوه إلى السِّحر‏؟‏‏.‏ ه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏91- 92‏]‏

‏{‏مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ‏(‏91‏)‏ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ‏(‏92‏)‏‏}‏

يقول الحق جل جلاله‏:‏ ‏{‏ما اتخذَ الله من ولدٍ‏}‏، خلاف ما يقوله النصارى، والعرب التي قالت‏:‏ للملائكة بنات الله، تعالى عن قولهم علواً كبيراً، ‏{‏وما كان معه من إلهٍ‏}‏ يُشاركه في ألوهيته، كما يقول عبدة الأوثان وغيرهم، ‏{‏إذاً لذهب كل إله بما خلق‏}‏ أي‏:‏ لو كان معه آلهة، كما يزعمون، لذهب كل واحد منهم بما خلقه واستبد به؛ ليتميز ملكه من ملك الآخر، ووقع بينهم التغالب والتحارب، كما هو الجاري بين الملوك، ‏{‏ولعلا بعضُهم على بعضٍ‏}‏‏:‏ ولغلب بعضهم على بعض، وارتفع عليه، كما ترون حال ملوك الدنيا؛ ممالكهم متمايزة وهم متغالبون، وحين لم تروا أثراً لتمايز الممالك والتغالب؛ فاعلموا أنما هو إله واحد‏.‏

قال ابن جُزَيّ‏:‏ وليس هذا البرهان بدليل التمانع، كما فهم ابن عطية وغيره، بل بدليل آخر‏.‏ وقال في قوله‏:‏ ‏{‏لو كان فيها آلهة إلا الله لفسدتا‏}‏‏:‏ قال كثير من الناس‏:‏ إنه دليل التمانع الذي أورده المتكلمون، والظاهر من اللفظ أنه استدلال آخر أصح منه‏.‏ ه قال النسفي‏:‏ ولا يقال‏:‏ «إذاً» لا تدخل إلا على كلام هو جزاء وجواب، وهو هنا وقع لذهب؛ جزاءً وجواباً، ولم يتقدمه شرط ولا سؤال سائل؛ لأن الشرط هنا محذوف، تقديره‏:‏ لو كان معه آلهة كما يزعمون لذهب‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، دل عليه‏:‏ ‏(‏وما كان معه من إله‏)‏، وهو جواب لمن حاجّه من المشركين‏.‏ ه‏.‏

‏{‏سبحان الله عما يصفون‏}‏ من الأنداد والأولاد، ‏{‏عالِمِ الغيبِ والشهادةِ‏}‏ أي‏:‏ السر والعلانية، أو ما ظهر من حس الأكوان، وما غاب فيها وعنها، فمن جرّ «عالم»؛ فبدل من الجلالة، او صفة له، ومن رفعه؛ فخبر عن مضمر، أي‏:‏ هو عالم‏.‏ ‏{‏فتعالى عمّا يُشركون‏}‏ من الأصنام وغيرها، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها؛ فإنَّ تفرده تعالى بالألوهية والعلم المحيط، موجب لتعاليه عن أن يكون له شريك‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ ثلاثة إذا تعددت فسد النظام‏:‏ الإله والسلطان والطبيب؛ فلو تعدد الإله لفسد نظام العالم ولو تعدد الْملك لفسدت الرعية بالهرج والفتن ولو تعدد الطبيب لفسد العلاج‏.‏ والطبيب على قسمين‏:‏ طبيب الأبدان وطبيب القلوب وهو شيخ التربية فإذا تعدد على مريد واحد فسدت تربيته؛ لانقسام محبته واختلاف علاجه فالمريد إذا علق قلبه بغير شيخه لا ينهض نهوض من جمع همته على شيخه بل لا يجيء منه شيء‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

قال القشيري‏:‏ كل أمر نِيطَ بين اثنين انتفى عنه النظام وصحةُ التربية‏.‏ ه‏.‏ وقال الورتجبي‏:‏ نزه الحق- سبحانه- ذاته عن مخايل الزنادقة، وكان منزهاً عن أباطيل إشارة المشبهة، وذاته ممتنعة بكمال أحديته، عن زعم الثنوية، كيف يجوز أن يكون القِدم محل الحوادث؛ إذ القديم المنزه، إذا تجلى بنعت القدم للحدثان، صار معدوماً كالعدم، تعالى الله عن كل وهْم وإشارة‏.‏ ه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏93- 100‏]‏

‏{‏قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ ‏(‏93‏)‏ رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ‏(‏94‏)‏ وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ ‏(‏95‏)‏ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ‏(‏96‏)‏ وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ ‏(‏97‏)‏ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ‏(‏98‏)‏ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ‏(‏99‏)‏ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ‏(‏100‏)‏‏}‏

يقول الحق جل جلاله‏:‏ ‏{‏قل ربّ إِما تُرِيَنَّي‏}‏ أي‏:‏ إذا كان لا بد أن تريني ما يوعدون من العذاب المستأصل في الدنيا أو عذاب الآخرة، ‏{‏ربِّ فلا تجعلني في القوم الظالمين‏}‏ أي‏:‏ قريباً لهم فيما هم فيه من العذاب، وفيه إيذان بفظاعة ما وُعدوه من العذاب، وأنه يجب أن يستعيذ منه مَن لا يكاد أن يحيق به، وردٍّ لإنكارهم إياه واستعجالهم على طريقة الاستهزاء، وقيل‏:‏ أمر به صلى الله عليه وسلم هضماً لنفسه، وقيل‏:‏ إن شؤم الكفرة قد يحيق بمن وراءهم؛ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَاتَّقُواْ فِتْنَةً‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 25‏]‏ إلخ، ورُوي عن الحسن ‏(‏أنه- تعالى- أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم بأن في أمته نقمة، ولم يطلعه على وقتها، فأمر بهذا الدعاء‏)‏ ويجوز أن يسأل النبيُّ المعصوم ربه ما علم أنه يفعله، وأن يستعيذ به مما علم أنه لا يفعله؛ إظهاراً للعبودية وتواضعاً لربه‏.‏ والفاء‏:‏ جواب «إما» الشرطية، أي‏:‏ إن نزلت بهم النقمة فاجعلني خارجاً عنهم، وتكرير النداء، وتصدير كل من الشرط والجزاء به- أي‏:‏ بالدعاء-؛ لإبراز كمال الضراعة والابتهال‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏وإِنا على أن نُّرِيَكَ ما نَعِدُهم‏}‏ من العذاب ‏{‏لقادرون‏}‏، ولكنا نؤخره؛ لعلمنا بأن بعضهم، أو بعض أعقابهم، سيؤمنون، أو‏:‏ لأنا لا نعذبهم وأنت فيهم، وقيل‏:‏ قد أراهم ذلك، وهو ما أصابهم يومَ بدر وفتح ومكة، وهو بعيد؛ لأن المبادر أن يكون ما استحقوه من العذاب الموعود عذاباً هائلاً مستأصلاً لا يظهر على يديه صلى الله عليه وسلم؛ للحكمة الداعية إليه، وكانوا يضحكون، استهزاءً بهذا الوعد، وإنكاراً له، فقال لنبيه- عليه الصلاة والسلام-‏:‏ ‏{‏ادفع بالتي هي أحسنُ السيئةَ‏}‏ أي‏:‏ ادفع الخصلة السيئة بالخصلة التي هي أحسن، وهو الصفح عنها والإحسان في مقابلتها، لكن بحيث لا يؤدي إلى وَهَنٍ في الدين وإهانةٍ له‏.‏ وقيل‏:‏ السيئة‏:‏ الشرك، والتي هي أحسن‏:‏ كلمة التوحيد، وقيل‏:‏ السيئة‏:‏ المنكر، والتي هي أحسن‏:‏ النهي عنه، وقيل‏:‏ هي منسوخة بآية السيف، وقيل‏:‏ محكمة؛ إذ المداراة مأمور بها‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ أمر بمكارم الأخلاق، وما كان منها بهذا المعنى، فهو محكم باق في الأمة أبداً، وما كان بمعنى المواعدة فمنسوخ بآية القتال‏.‏ ه‏.‏

وهذا التركيب أبلغ من «ادفع بالحسنة السيئة»؛ لما فيه من التنصيص على التفضيل، وتقديم الجار والمجرور على المفعول؛ للاهتمام‏.‏ ‏{‏نحن أعلم بما يصفون‏}‏ من الشرك والولد، أو بما يصفك به، مما أنت على خلافه، من السحر وغيره، فسنجازيهم عليه، وفيه وعيد لهم، وتسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم، وإرشاد له إلى تفويض أمره إليه تعالى والاكتفاء بعلمه‏.‏

‏{‏وقل ربِّ أعوذُ بك من هَمَزاتِ الشياطين‏}‏ أي‏:‏ وساوسهم المغرية على خلاف ما أمرت من المحاسن، التي من جملتها دفع السيئة بالحسنة، وأصل الهمز‏:‏ النخس، ومنه‏:‏ مهماز الرائض، شبه حثهم للناس على المعاصي بهمز الرائض الدوابَّ على الإسراع والوثب‏.‏

وجَمَعَ همزات؛ لتنوُّع الوساوس وتعدد المضاف إليه، ‏{‏وأعوذ بك ربِّ أن يحضرون‏}‏، أمر بالتعوذ من نخساتهم بلفظ المبتهل إلى ربه، والتعوذ من أن يحضروه أصلاً في حال من الأحوال؛ مبالغة في التحذير من ملابستهم، أو أن يحضروه عند التلاوة أو الصلاة، أو عند النزع؛ تشريعاً‏.‏ وإعادة الفعل، مع تكرير النداء؛ لإظهار كمال الاعتناء بالمأمور به‏.‏

ولا تزال الكفرة تصف الحق بما لا يليق به من الشرك، ‏{‏حتى إذا جاء أحدَهم الموتُ‏}‏ أي‏:‏ لا يزالون مشركين حتى يموتوا، فحتى، هنا، ابتدائية، دخلت على جملة الشرط، وهي متعلقة بيصفون، وما بينهما اعتراض مؤكد للإغضاء، لكن لا بمعنى أنه العامل فيه؛ لفساد المعنى، بل بمعنى أنه معمول لمحذوف دل عليه ذلك، أي‏:‏ تنزيهاً له تعالى عما يصفون، ويستمرون على الوصف المذكور، حتى إذا جاء أحداً منهم الموت الذي لا مرد له، وظهرت له أحوال الآخرة، ‏{‏قال‏}‏؛ تحسراً على ما فَرَّطَ فيه من الإيمان والطاعة‏:‏ ‏{‏ربِّ ارجعون‏}‏ أي‏:‏ ردني إلى الدنيا، والواو؛ لتعظيم المخاطب، كخطاب الملوك، ‏{‏لعلي أعملُ صالحاً فيما تركت‏}‏ أي‏:‏ في الإيمان الذي تركته، أو في الموضع الذي تركت فيه الإيمان والطاعة؛ وهو الدنيا؛ لأنه ترك الدنيا وصار إلى العقبى‏.‏

قال قتادة‏:‏ ما تمنى أن يرجع إلى أهل ولا عشيرة، ولكن ليتدارك ما فرط‏.‏

وعنه، صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «إِذَا عَايَنَ المؤمن المَلائِكَةَ قَالُوا له‏:‏ نُرجِعُكَ إلى الدُّنْيا‏؟‏ فَيَقُولُ‏:‏ إِلَى دارِ الهُمومِ والأحْزانِ‏؟‏ بَلْ قُدُوماً إلى اللهِ تبارك، وتعالى، وأمَّا الكافر فَيقُولُ‏:‏ ارجعون لعلي أعملَ صالحاً‏.‏‏.‏‏.‏» وقال القرطبي‏:‏ ليس سؤالُ الرجعة مختصاً بالكافر، فقد يسألها المؤمن، كما في آخر سورة المنافقين، ودلت الآية على أن أحداً لا يموت حتى يعرف‏:‏ أهو من أولياء الله أم من أعداء الله، ولولا ذلك لما سأل الرجعة، فيعلم ذلك قبل نزول الموت وذواقه‏.‏ ه‏.‏ قال المحشي الفاسي‏:‏ ولعل محمل الحديث في المؤمن الكامل غير المقصِّر، والآية في غيره‏.‏ والله أعلم‏.‏ ه‏.‏

‏{‏كَلاَّ‏}‏ أي‏:‏ لا رجوع له أصلاً، وهو ردع عن طلب الرجعة، واستبعاد لها، ‏{‏إِنها‏}‏ أي‏:‏ قوله‏:‏ ‏(‏رب ارجعون‏)‏، ‏{‏كلمةٌ‏}‏، والمراد‏:‏ طائفة من الكلام، وهو ‏(‏ربِّ ارجعون‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ إلخ، ‏{‏هو قائلها‏}‏، ولا فائدة له فيها، ولا حقيقة لها؛ لعدم حصول مضمونها، أو هو قائلها لا محالة؛ لتسليط الحسرة والندم عليه، فلا يقدر على السكوت عليها، ‏(‏ومن ورائهم‏)‏ أي‏:‏ أمامهم، والضمير للجماعة؛ لأن أحدهم بمعنى كلهم، ‏{‏برزخٌ‏}‏‏:‏ حائل بينهم وبين الرجعة، ‏{‏إلى يوم يُبعثون‏}‏‏:‏ يوم القيامة، وهو إقناط كلي عن الرجوع إلى الدنيا، لما علِم أنه لا رجعة يوم القيامة إلى الدنيا، وإنما الرجوع فيه إلى الحياة الأخرية‏.‏

والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ ما قاله صلى الله عليه وسلم في تضرعه إلى الله تعالى- كما أمره الحق تعالى- يقوله كل عارف ومتيقظ، فيقول‏:‏ ربِّ إما تُريني ما يُوعدهُ أهل الغَفلة والبطالة من التحسر والندم، عند انقراض الدنيا وإقبال الآخرة، فلا تجعلني في القوم الظالمين، أي‏:‏ لا تسلك بي مسلكهم حتى أتحسر معهم فإذا أوذي في الله- كما هو شأن أهل الخصوصية- يقال له‏:‏ ادفع بالتي هي أحسنُ السيئةَ، وقابل الإساءة بالإحسان، وإياك والانتصار لنفسك، وتعوذ بالله من همزات الشياطين، إن قامت عليك نفسك وأرادت الانتصار، كما هو شأن أهل الغفلة، في كونهم منهمكين في الغفلة، مملوكين في أيدي أنفسهم، مستمرين على ذلك، حتى إذا حضر أجلهم طلبوا من الله الرجعة، هيهات هيهات، ‏{‏كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 100‏]‏، وفي الأثر‏:‏ «ما منكم من أحد إلا وسيندم عند الموت، إن كان محسناً أن لو زاد، وإن كان مسيئاً أن لو تاب» أو كما قال‏.‏

ولأجل هذا المعنى شد أهل اليقظة الحُزُم، وشمروا عن ذراعهم في طاعة مولاهم، وعمروا أوقاتهم بما يقربهم إلى محبوبهم، وتنافسوا في ذلك أيَّ تنافس، وفي ذلك يقول القائل‏:‏

السِّباقَ، السِّباقَ، قولاً وفِعْلاً *** حَذِّرِ النَّفْس حَسْرَة المسْبُوقِ

وكان بعض العباد حفر قبراً في بيته، فإذا صلى العشاء دخل فيه، وقرأ‏:‏ ‏{‏قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، فيقول لنفسه‏:‏ ستطلبين الرجعة ولا تُمكنين منها، وأنت اليوم متمكنة من الرجوع، قومي إلى خدمة مولاك، قبل أن يحال بينك وبينها، فيبيت قائماً يُصلي‏.‏ وهكذا شأن اهل اليقظة؛ يُقدمون الندم والجد قبل فوات إبَّانِهِ‏.‏ أعاننا الله على اغتنام طاعته، وما يقربنا إلى حضرته‏.‏ آمين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏101- 105‏]‏

‏{‏فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ‏(‏101‏)‏ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ‏(‏102‏)‏ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ‏(‏103‏)‏ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ‏(‏104‏)‏ أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ‏(‏105‏)‏‏}‏

يقول الحق جل جلاله‏:‏ ‏{‏فإذا نُفخ في الصور‏}‏ لقيام الساعة، وهي نفخة البعث والنشور، وقيل‏:‏ فإذا نفخ في الأجسادِ أرواحها، على أن الصور جمع صورة، ويؤيده القراءة بفتح الواو مع الضم، وبه مع كسر الصاد‏.‏ ‏{‏فلا أنساب بينهم يومئذٍ‏}‏ تنفعهم، لزوال التراحم والتعاطف بينهم؛ من فرط الحيرة واستيلاء الدهشة، بحيث يفر المرءُ من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ ‏(‏لا يفتخرون بالأنساب والأحساب في الآخرة، كما كانوا يفتخرون في الدنيا‏)‏ ‏{‏ولا يتساءلون‏}‏ لا يسأل بعضهم بعضاً؛ لاشتغال كل منهم بنفسه، ولا يناقضه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 27‏]‏؛ لأن هذا- أي‏:‏ سكوتهم- عند ابتداء النفخة الثانية، وذلك بعدها؛ لأن يوم القيامة ألوان، تارة يبهتون ولا يتساءلون، وتارة يفيقون، فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون‏.‏

وقال ابن عباس‏:‏ إنما عنى النفخة الأولى، حين يصعق الناس، ‏(‏فلا أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون‏)‏، ‏{‏ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 68‏]‏، ‏{‏وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ‏}‏‏.‏ نقله الثعلبي‏.‏

‏{‏فمن ثَقُلَتْ موازينهُ‏}‏ أي‏:‏ موزونات حسناته من العقائد الصحيحة والأعمال الصالحة، ‏{‏فأولئك هم المفلحون‏}‏؛ الفائزون بكل مرغوب، الناجون من كل مرهوب، ‏{‏ومن خفت موازينهُ‏}‏ أي‏:‏ ومن لم يكن له من العقائد والأعمال ما يوزن- وهم الكفار- لقوله‏:‏ ‏{‏فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القيامة وَزْناً‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 105‏]‏، وتقدم ما فيه‏.‏ ‏{‏فأولئك الذين خسروا أنفسهم‏}‏‏:‏ ضيعوها بتضييع زمان استكمالها، وأبطلوا استعدادها لنيل كمالها، ‏{‏في جهنم خالدون‏}‏، وهو خبر ثان لأولئك، أو بدل من الصلة، وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال‏:‏ ‏(‏يؤخذ بيد العبدِ أو الأمة يوم القيامة، فينصب على رؤوس الأولين والآخرين، ثم ينادي مناد‏:‏ هذا فلان بن فلان، من كان له حق فليأت إلى حقه، فتفرح المرأة أن يدور لها الحق على ابنها، أو على زوجها، أو على أبيها، أو على أخيها، ثم قرأ ابن مسعود‏:‏ ‏{‏فلا أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون‏}‏، ثم يقول الرب تعالى‏:‏ آت هؤلاء حقوقهم، فيقول ربِّ، فنيت الدنيا؛ فمن أين آتيهم‏؟‏ فيقول للملائكة‏:‏ خذوا من حسناته فأعطوا كل إنسان بقدر طلْبته‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ إلخ الحديث، انظر النسفي‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏تلفح وجوهَهُم النار‏}‏؛ تحرقها، واللفح كالنفخ، إلاَّ أنه أشد تأثيراً منه، وتخصيص الوجوه بذلك؛ لأنها أشرف الأعضاء‏.‏ ‏{‏وهم فيها كالحون‏}‏‏:‏ عابسون من شدة الإحراق، والكلوح‏:‏ تقلص الشفتين من الإنسان، قال النبي صلى الله عليه وسلم في كالحون‏:‏ «تَشْوِيهِ النَّارُ فَتَقلَّص شَفَتَهُ العُلْيَا، حَتَّى تَبْلُغَ وَسَطَ رَأَسِهِ، وَتَسْتَرخِي السُّفْلَى حَتَّى تَبْلُغَ سُرَّته» فيقال لهم- تعنيفاً وتذكيراً لما به استحقوا ما ابتلوا به‏:‏ ‏{‏ألم تكن آياتي‏}‏ أي‏:‏ القرآن ‏{‏تُتْلَى عليكم‏}‏ في الدنيا ‏{‏فكنتم بها تُكذِّبون‏}‏ حينئذٍ، فذوقوا وبال ما كنتم به تكذبون‏.‏

نسأل الله التوفيق والهداية‏.‏

الإشارة‏:‏ قال الترمذي الحكيم‏:‏ الأنساب كلها منقطعة إلا من كانت نسبته صحيحة في عبودية ربه، فإن تلك نسبة لا تنقطع أبداً، وتلك النسبة المفتخر بها، لا نسبة الأجناس من الآباء والأمهات والأولاد‏.‏ ه‏.‏ وقال الورتجبي‏:‏ عند المعاينة والمشاهدة بوجوده ونشر جوده، نسبهم هناك نسب المعرفة والمحبة الأزلية، واصطفائيته القدسية، لا يفتخرون بشيء دونه، من العرش إلى الثرى، ولا يتساءلون؛ شغلاً بما هم فيه‏.‏ ه‏.‏

ومعنى كلام الشيخين‏:‏ أن العبد، إذا صحت نسبته إلى مولاه، وانقطع بكليته إليه، ورفض كل ما سواه، اتصلت نسبته، ودامت محبته وأنسه، ومن تعلق بغيره، وتودد إلى سواه، انقطع ذلك وانفصل، ومن النسب التي تتصل وتدوم، النسبة إلى أولياء الله، والتحبب إليهم وخدمتهم، وهي في الحقيقة من نسبة الله تعالى؛ لأنها سبب معرفته والتحقق بعبوديته، فهي عينها، فمن انتسب إليهم فقد انتسب إلى الله، ومن أحبهم فإنما أحب الله، فمحبتهم، والاجتماع معهم يؤدي إلى محبة الله ورضوانه، وهم الذين يكونون عن يمين الرحمن، يغشى نورُهُم الناس يوم القيامة، يغبطهم النبيون والشهداء؛ لمنزلتهم عند الله‏.‏ قال عليه الصلاة والسلام‏:‏ لما سئل عنهم‏:‏ «هم رجال من قبائل شتى، يجتمعون على ذكر الله ومحبته» أو كما قال صلى الله عليه وسلم كما في الحديث‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏106- 114‏]‏

‏{‏قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ ‏(‏106‏)‏ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ ‏(‏107‏)‏ قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ‏(‏108‏)‏ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ‏(‏109‏)‏ فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ ‏(‏110‏)‏ إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ ‏(‏111‏)‏ قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ‏(‏112‏)‏ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ ‏(‏113‏)‏ قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ‏(‏114‏)‏‏}‏

يقول الحق جل جلاله‏:‏ ‏{‏قالوا‏}‏ أي‏:‏ أهل النار ‏{‏ربنا غلبت علينا‏}‏ أي‏:‏ ملكتنا ‏{‏شِقْوَتُنا‏}‏‏:‏ شقاوتنا التي اقترفناها بسوء اختيارنا، كما يُنبئ عنه إضافتها إلى أنفسهم، أي‏:‏ شقينا بأعمالنا السيئة التي عملناها، ولا يصح حمله على الشقاوة الأزلية؛ لأنهم غير مكلفين بصرفها عنهم؛ إذ ليس في اختيارهم‏.‏ ‏{‏وكنا قوماً ضالِّين‏}‏ عن الحق، ولذلك فعلنا ما فعلنا من التكذيب، وهذا، كما ترى، اعتراف منهم بأن ما أصابهم إنما أصابهم بسوء صنعهم، وأمَّا ما قيل‏:‏ من أنه اعتذار منهم بغلبة ما كتب عليهم من الشقاوة الأزلية، فلا يصح؛ لأن الله تعالى ما كتب عليهم الشقاء حتى علم أنهم يفعلونه باختيارهم، لا بما كتب عليهم‏.‏

ثم قالوا‏:‏ ‏{‏ربنا أَخْرِجْنَا منها فَإِن عُدْنا فإِنا ظالمون‏}‏ أي‏:‏ أخرجنا من النار، وردنا إلى الدنيا، فإن عدنا بعد ذلك إلى ما كنا عليه من الكفر والمعاصي، فإنا متجاوزون الحد في الظلم، ولو كان اعتقادهم أنهم مجبورون على ما صدر عنهم لما سألوا الرجعة إلى الدنيا، ولما وَعَدوا بالطاعة والإيمان‏.‏ قال القرطبي‏:‏ طلبوا الرجعة إلى الدنيا كما طلبوها عند الموت‏.‏

ثم يجيبهم الحق تعالى، بعد ألف سنة، بقوله‏:‏ ‏{‏قال اخسؤوا فيها‏}‏ أي‏:‏ اسكتوا في النار سكوت ذل وهوان، وانزجروا انزجار الكلاب، يقال‏:‏ خسأت الكلب، إذا زجرته، فخسأ، أي‏:‏ انزجر‏.‏ ‏{‏ولا تُكَلِّمونِ‏}‏ باستدعاء الإخراج من النار والرجوع إلى الدنيا، أو في رفع العذاب عنكم؛ فإنه لا يرفع ولا يخفف، روي أنه آخر كلام يتكلمون به، ثم لا كلام بعد ذلك إلاَّ الشهيق والزفير، ويصير لهم عُواء كعُواء الكلاب لا يفهمون ولا يُفهمون‏.‏ قيل‏:‏ ويرده الخطابات الآتية، وقد يجاب‏:‏ بأن قبل هذه الكلمة‏.‏

ثم علل استحقاقهم لذلك العذاب بقوله‏:‏ ‏{‏إنه‏}‏ أي‏:‏ الأمر والشأن ‏{‏كان فريق من عبادي‏}‏ وهم المؤمنون، او الصحابة، أو أهل الصفة- رضوان الله تعالى عليهم أجمعين- ‏{‏يقولون‏}‏ في الدنيا‏:‏ ‏{‏ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين فاتخذتموهم سخريا‏}‏ أي‏:‏ هزواً، وهو مصدر سخر، زيدت فيه ياء النسب؛ للمبالغة، وفيه الضم والكسر‏.‏ وقال الكوفيون‏:‏ المكسور بمعنى الهزء، والمضموم من السخرة، بمعنى الانقياد للخدمة، ولذلك اتفق عليه في الزخرف، أي‏:‏ اتخذتموهم؛ مهزواً بهم، وتشاغلتم بهم ‏{‏حتى أَنْسَوْكم ذكري‏}‏، من فرط اشتغالكم بالاستهزاء بهم، ولم تخافوني في أوليائي، ‏{‏وكنتم منهم تضحكون‏}‏، وذلك غاية الاستهزاء‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏إني جَزَيْتُهُم اليوم‏}‏ جزاء على صبرهم على أذاكم، ‏{‏أنهم همُ الفائزون‏}‏ بكل مطلوب دونكم، فأنهم‏:‏ مفعول «جزيتهم»؛ لأنه يتعدى إلى مفعولين، وقرأ حمزة بالكسر؛ على الإستئناف؛ تعليلاً للجزاء، وبياناً أنه في غاية الحسن، ‏{‏قال كم لبثتم‏}‏، القائل هو الله تعالى، أو الملك، وقرأ المكي وحمزة‏:‏ «قل»؛ التي بلفظ الأمر للملك، يسألهم‏:‏ كم لبثوا، ‏{‏في الأرض‏}‏ التي دعوا الله أن يردهم إليها، ‏{‏عدد سنين‏}‏، وهو تمييز، أي‏:‏ كم لبثتم في الأرض عدد السنين، ‏{‏قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم‏}‏، استقصار لمدة لبثهم فيها بالنسبة إلى خلودهم، ولِمَا هم فيه من عذابها؛ لأن الممتحن يستطيل أيام محنته، ويستقصر ما مر عليه من أيام الدعة، ‏{‏فاسْئَل العادِين‏}‏ أي‏:‏ المتمكنين من العد؛ فإنا بما دُهمنا من العذاب بمعزل من العد، أو الملائكة العادين لأعمار العباد وأعمالهم‏.‏

‏{‏قال‏}‏ الله تعالى، أو الملك، تصديقاً لهم في مقالهم‏:‏ ‏{‏إن لبثتم إلاَّ قليلاً‏}‏‏:‏ ما لبثتم إلا زماناً قليلاً أو لبثاً قليلاً بالنسبة لما بعده، ‏{‏لو أنكم كنتم تعلمون‏}‏ شيئاً، أو‏:‏ لو كنتم من أهل العلم لعلمتم قلة لبثكم فيها، فالجواب محذوف‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ إذا تميز المتحابون في الله، المجتمعون على ذكر الله ومحبته وطلب معرفته، وعُرفوا بأنوارهم وأسرارهم، وانحازوا إلى ظل العرش، يوم لا ظل إلا ظله، ورآهم البطالون المنكرون عليهم، وهم في حسرة الحساب، يقولون بلسان الحال أو المقال‏:‏ ‏(‏ربنا غلبت علينا شقوتنا‏)‏؛ حيث لم نصحب هؤلاء الأولياء، وكنا قوماً ضالين، ربنا أخرجنا من هذه الحسرة، وردنا إلى الدنيا، فإن عدنا إلى البطالة والإنكار عليهم فإنا ظالمون، فيقال لهم‏:‏ اخسؤوا فيها؛ فقد فات الإبان، إنه كان فريق من عبادي، وهم المنتسبون من أهل التجريد، المتزيون بزي الصوفية أهل التفريد، يقولون‏:‏ ربنا آمنا بطريق الخصوصية ودخلنا فيها، فاغفر لنا، أي‏:‏ غط مساوئنا، وارحمنا رحمة تضمنا إلى حضرتك، وأنت خير الراحمين، فاتخذتموهم سخرياً، وانشغلتم بالوقوع فيهم، حتى أنسوكم ذكري، وكنتم منهم تضحكون، إني جزيتهم اليوم، بما صبروا، أنهم هم الفائزون بشهود ذاتي، والقرب من أحبابي، المتنزهون في كمال جمالي، في درجات المقربين من النبيين والصديقين‏.‏

قال القشيري‏:‏ الحق ينتقم من أعدائه بما يُطَيَّبُ به قلوبَ أوليائه، وتلك خَصْمَةُ الحق، فيقول لهم‏:‏ كان فريقٌ من أوليائي يُفْصِحون بمدحي وإطرائي، فاتخذتموهم سخرياً، فأنا اليوم أُجازيهم، وأنتقم ممن كان يناويهم‏.‏ ه‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قال كم لبثتم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ إلخ، اعلم أن أيام الدنيا كلها تقصر عند انقضاء عمر العبد، فتعود كيوم واحد، أو بعض يوم، فإن أفضى إلى الراحة بعد الموت نسي أيام التعب، وغاب عنها، فتصير كأضغاث أحلام، وإن أفضى إلى التعب، نسي أيام الراحة كأنها طيف منام‏.‏ قال في الحاشية‏:‏ الأشياء وإن كانت كثيرة فقد تنقص وتقل بالإضافة إلى ما يرجّى عليها كذلك مدة مقامهم تحت الأرض إن كانوا في الراحة فقد تقل، بالإضافة إلى الراحات التي يلقونها في القيامة، وإن كانت شديدة فقد تتلاشى في جنب رؤية ذلك اليوم؛ لما فيه من أليم تلك العقوبات المتوالية‏.‏ ه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏115- 118‏]‏

‏{‏أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ‏(‏115‏)‏ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ‏(‏116‏)‏ وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ‏(‏117‏)‏ وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ‏(‏118‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ ‏(‏أفحسبتم‏)‏‏:‏ المعطوف محذوف، أي‏:‏ ألم تعلموا شيئاً فحسبتم، و‏(‏عبثاً‏)‏‏:‏ حال، أو مفعول من أجله‏.‏

يقول الحق جل جلاله‏:‏ ‏{‏أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً‏}‏ أي‏:‏ عابثين، أو للبعث من غير حكمة في خلقكم وإظهاركم حتى أنكرتم البعث، ‏{‏وأنكم إلينا لا ترجعون‏}‏ للحساب والجزاء، بل خلقناكم للتكليف، ثم للرجوع إلينا، فنُثيب المحسن، ونعاقب المسيء‏.‏

‏{‏فتعالى الله‏}‏ أن يخلق شيئاً عبثاً، وهو استعظام له نعالى ولشؤونه التي يُصَرِّف عليهاعباده؛ من البدء والإعادة، والإثابة والعقاب، بموجب الحكمة، أي‏:‏ ارتفع بذاته، وتنزه عن مماثلة المخلوقين في ذاته وصفاته وأفعاله وعن خلو أفعاله عن الحِكَم والمصالح والغايات الحميدة‏.‏

‏{‏الملك الحق‏}‏؛ الذي يحق له الملك على الإطلاق، إيجاداً وإعداماً، وإحياء وإماته، عذاباً وإثابة، وكل ما سواه مملوك له، مقهور تحت ملكوته، ‏{‏لا إله إلا هو‏}‏، فإنَّ كل ما عداه عبيده، ‏{‏ربُّ العرش الكريم‏}‏، فكيف بما تحته من الموجودات، كائناً ما كان، ووصفه بالكرم‏:‏ إمّا لأنه منه ينزل الوحي الذي منه القرآن الكريم، والخير والبركة، أو لنسبته إلى أكرم الأكرمين‏.‏

‏{‏ومن يدعُ مع الله إلهاً آخر‏}‏، يعبده فرداً أو اشتراكاً، من صفته ‏{‏لا برهان له به‏}‏ على صحة عبادته‏.‏ وفيه تنبيه على أن التدين بما لا دليل عليه باطل، فكيف بما شهدت بديهة العقول بخلافه‏؟‏ ‏{‏فإنما حسابُه عند ربه‏}‏،‏.‏ فهو مُجازٍ له على قدر ما يستحقه، ‏{‏إنه‏}‏ أي‏:‏ الأمر والشأن ‏{‏لا يُفلح الكافرون‏}‏؛ لا فوز لهم ولا نجاة‏.‏

بدئت السورة الكريمة بتقرير فلاح المؤمنين، وختمت بنفي فلاح الكافرين؛ تحريضاً على الإيمان، وعلى ما يوجب بقاءه وتنميته، من التمسك بما جاء به التنزيل، وبما جاء به النبي الجليل، ليقع الفوز بالفلاح الجميل‏.‏

ثم علَّمنا سؤال المغفرة والرحمة؛ لأن شؤم المعاصي يؤدي إلى سوء الختام، فقال‏:‏ ‏{‏وقل ربِّ اغفرْ وارحمْ وأنت خير الراحمين‏}‏، وفيه إيذان بأنهما من أهم الأمور الدينية، حيث أمر به من قد غفَر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكيف بمن عداه‏؟‏ نسأل الله- تعالى- المغفرة الشاملة، والرحمة الكاملة، لنا ولإخواننا ولجميع المسلمين‏.‏‏.‏ آمين‏.‏

روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه مرَّ بمصابٍ مبتلى، فقرأ في أذنه‏:‏ ‏(‏أفحسبتم أنما‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ إلخ السورة، فبرئ من حينه‏.‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «ماذا قرأت في أذنه‏؟‏» فأخبره، فقال‏:‏ «والذي نفسي بيده لو أن رجلاً مؤمناً قرأها على جبل لزال»‏.‏

الإشارة‏:‏ ما أظهر الله الكائنات إلا ليُعرف بها، ويُظْهِرَ فيها أسرار ذاته وأنوار صفاته، وفي الأثر القدسي‏:‏ «كنت كنزاً لم أُعرف، فأحببتُ أن أعرف، فخلقت الخلق، فتعرفت لهم، فبي عرفوني»‏.‏

وفي إيجاد المخلوقات حِكَم بليغه وأسرار عجيبة، لا يحصيها إلا من خلقها ودبّرها‏.‏ فمن المخلوقات من خلقهم ليظهر فيهم أثر رحمته وكرمه وإحسانه، وهم أهل الإيمان والطاعة، ومنهم من خلقهم ليظهر فيهم حلمه وعفوه، وهم أهل العصيان، ومنهم من خلقهم ليظهر فيهم عدله وقهره ونقمته، وهم أهل الكفر والطغيان‏.‏ وقال الحكيم الترمذي رضي الله عنه‏:‏ إن الله خلق الخلق عبيداً ليعبدوه، فيثيبهم على العبادة، ويعاقبهم على تركها، فإنْ عبدوه فهم اليوم له عبيد، أحرار كرام من رق الدنيا، ملوك في دار السلام، وإن رفضوا العبودية فهم اليوم عبيد أُباق، سُقاط، لئام، أعداء في السجون بين أطباق النيران‏.‏ ه‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ إنما أظهر الله الكون لأجل نبينا صلى الله عليه وسلم تشريفاً له، فهو من نوره‏.‏ قال ابن عباس رضي الله عنه‏:‏ أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام‏:‏ يا عيسى ابن مريم؛ آمن بمحمد، ومُر أمتك أن يؤمنوا به، فلولا محمد ما خلقت آدم، ولولا محمد ما خلقت الجنة والنار‏.‏‏.‏‏.‏ الحديث‏.‏

قال القشيري‏:‏ حسابُه على الله في آجله، وعذابُه من الله له في عاجله، وهو ما أودعَ قلبَه حتى رَضِيَ أنْ يَعْبُدَ معه غيره، لقوله‏:‏ ‏{‏مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الله زلفى‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 3‏]‏، كلامٌ حاصلٌ عن غير دليل عقل، ولا شهادة خبرٍ ونقل، فما هو إلا إفك وبهتان، وقولٌ ليس يساعده برهان‏.‏ ه وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق- وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد، وآله وصحبه وسلم تسليماً، والحمد لله رب العالمين‏.‏